الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

16

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 11 ] [ سورة الصافات ( 37 ) : آية 11 ] فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ( 11 ) الفاء تفريع على قوله : إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ [ الصافات : 6 ] باعتبار ما يقتضيه من عظيم القدرة على الإنشاء ، أي فسلهم عن إنكارهم البعث وإحالتهم إعادة خلقهم بعد أن يصيروا عظاما ورفاتا ، أخلقهم حينئذ أشدّ علينا أم خلق تلك المخلوقات العظيمة ؟ وضمير الغيبة في قوله : فَاسْتَفْتِهِمْ عائد إلى غير مذكور للعلم به من دلالة المقام وهم الذين أحالوا إعادة الخلق بعد الممات . وكذلك ضمائر الغيبة الآتية بعده وضمير الخطاب منه موجه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، أي فسلهم ، وهو سؤال محاجة وتغليط . والاستفتاء : طلب الفتوى بفتح الفاء وبالواو ، ويقال : الفتيا بضم الفاء وبالياء . وهي إخبار عن أمر يخفى عن غير الخواصّ في غرض ما . وهي : إمّا إخبار عن علم مختص به المخبر قال تعالى : يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ [ يوسف : 46 ] الآية ، وقال : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [ النساء : 176 ] ، وتقدم في قوله : الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ في سورة يوسف [ 41 ] . وإمّا إخبار عن رأي يطلب من ذي رأي موثوق به ومنه قوله تعالى : قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي في سورة النمل [ 32 ] . والمعنى : فاسألهم عن رأيهم فلما كان المسؤول عنه أمرا محتاجا إلى إعمال نظر أطلق على الاستفهام عنه فعل الاستفتاء . وهمزة : أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً للاستفهام المستعمل للتقرير بضعف خلق البشر بالنسبة للمخلوقات السماوية لأن الاستفهام يؤول إلى الإقرار حيث إنه يلجئ المستفهم إلى الإقرار بالمقصود من طرفي الاستفهام ، فالاستفتاء في معنى الاستفهام فهو يستعمل في كل ما يستعمل فيه الاستفهام . و أَشَدُّ بمعنى : أصعب وأعسر . و خَلْقاً تمييز ، أي أخلقهم أشدّ أم خلق من خلقنا الذي سمعتم وصفه . والمراد ب مَنْ خَلَقْنا ما خلقه اللّه من السماوات والأرض وما بينهما الشامل للملائكة والشياطين والكواكب المذكورة آنفا بقرينة إيراد فاء التعقيب بعد ذكر ذلك ، وهذا كقوله تعالى : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ [ النازعات : 27 ] ونحوه .